محمد محمد أبو ليلة

155

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

يحفظ الأطفال ، والصغار والنساء ، والرجال ، دستور الأمة الذي ينظم حياتها ، ويعدّها لآخرتها ، على هذا النحو . إن الدستور الإسلامي ليس من احتراف الكبار ولا من عمل المتخصصين فحسب شأنه شأن سائر الدساتير الأخرى ، بل هو دستور متفرّد ومتغلغل . وواضح من هذه الرواية وغيرها من الروايات الأخرى أن ظهور اللهجات والحروف في قراءة الناس للقرآن كانت قد اتسعت باتساع أعداد المسلمين ، وباتساع البلدان الإسلامية في عصر الخليفة عثمان أكثر من اتساعها في عهد غيره من الخلفاء ؛ فقد أخرج ابن أبي أشتة ، من طريق أيوب عن أبي قلابة قال : حدثني رجل من بنى عامر يقال له أنس بن مالك قال : " اختلفوا في القراءة على عهد عثمان حتى اقتتل الغلمان والمعلمون فبلغ ذلك عثمان بن عفان رضي اللّه عنه فقال : عندي تكذبون به وتلحنون فيه ، فمن نأى عنى كان أشد تكذيبا وأكثر منكم لحنا ، يا أصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس إماما فاجتمعوا فكتبوا . فكانوا إذا اختلفوا وتدارءوا في آية قالوا هذه أقرأها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلانا ، فيرسل إليه وهو على رأس ثلاث من المدينة ويقال له كيف أقرأك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم آية كذا فيقول كذا وكذا ، فيكتبونها ، وقد تركوا لذلك مكانا " . وفي رواية لابن أبي داود : " أن عدد الذي جمعهم عثمان لكتابة المصحف الإمام ، كانوا اثنى عشر رجلا من قريش والأنصار ، وأن عثمان كان يتعاهدهم ( أي يتابعهم في عملهم ) وأنهم كانوا يكتبون حسب العرضة الأخيرة " ، أي آخر مرة راجع فيها النبي صلى اللّه عليه وسلم القرآن على جبريل عليه السلام « 1 » . وقال ابن التين وغيره في الفرق بين جمع عثمان ، وجمع من قبله : " الفرق بين جمع أبى بكر وجمع عثمان ، أن جمع أبى بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شئ بذهاب جملته ، لأنه لم يكن مجموعا ، فجمعه في صحائف مرتبا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وجمع عثمان كان لمّا كثر الاختلاف في وجوه القراءة حتى قرءوا بلغاتهم ، لاتساع اللغات ( اللهجات ) فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض ، فخشى

--> ( 1 ) ابن أبي داود كتاب المصاحف ص 9 والسيوطي الاتقان 1 / 170 .